كتب/ محمود سعيد برغش
حين ننظر إلى القمر في هدوء الليل، قد تسرقنا جماليته للحظات، لكن وراء هذا الجمال آية أعظم تستحق أن نتأملها؛ آيةٌ تدل على دقة الخلق، وعظمة الخالق، وحكمة التدبير.
فالسماء ليست مجرد مشهد جميل، والنجوم والقمر والشمس ليست مجرد أجرام معلقة في الفضاء، وإنما هي من آيات الله التي تدعو الإنسان إلى التفكر والتدبر.
قال الله تعالى:
«﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾
(نوح: 16)»
وقال سبحانه:
«﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
(يس: 39-40)»
وقال جل وعلا:
«﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
(الأعراف: 54)»
وفي السنة النبوية، شبّه النبي ﷺ رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة برؤية القمر ليلة البدر، فقال:
««إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته»
رواه البخاري ومسلم.»
وهذا الحديث لا يجعل القمر معبودًا ولا مصدرًا للنور بذاته، وإنما يلفت النظر إلى وضوح الرؤية وجمال المشهد؛ فالمؤمن يرى في آيات الكون دلائل على عظمة من خلقها.
ولذلك كان التأمل في خلق الله بابًا من أبواب زيادة الإيمان، لا سيما حين يتوقف الإنسان قليلًا عن ضجيج الحياة، ويرفع عينيه إلى السماء.
وقد قال الله تعالى:
«﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
(آل عمران: 190)»
ولم يكن الشعراء بعيدين عن هذا المشهد؛ فقد وصف امرؤ القيس الليل والقمر في معلقته وصفًا بديعًا، فقال:
«وَلَيْلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ
عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الْهُمُومِ لِيَبْتَلِي
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ
وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ»
ثم يأتي القمر في قلب هذا الليل كنافذة من نور، فيرى الإنسان في جماله شيئًا من جمال الخلق، وفي انتظامه شيئًا من بديع التدبير.
فليس القمر مجرد جرمٍ يزيّن السماء، ولا الليل مجرد ظلمةٍ تعقب النهار؛ وإنما في هذا الكون كتابٌ مفتوح، كل صفحة فيه تدعو القلب إلى التفكر، والعقل إلى التدبر، والروح إلى معرفة عظمة الخالق سبحانه.
وفي كل مرة ننظر فيها إلى السماء، ربما نحتاج فقط إلى أن نصمت قليلًا…
لنسمع ما تقوله لنا الآيات من حولنا:
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾