recent
أخبار ساخنة

مصطفى صلاح يكتب: ياسر جلال وزياد.. حكاية إنسانية أكبر من زيارة

كتب/مصطفي صلاح 

في حياة كل طفل أمنية يخبئها في قلبه، يتخيلها كثيرًا، وربما يستبعد أن تتحقق يومًا. وحين تتحول هذه الأمنية إلى حقيقة، لا تكون الفرحة في اللقاء وحده، بل في الشعور بأن هناك من استمع إلى الحلم الصغير ومنحه اهتمامًا حقيقيًا. من هنا تأتي قيمة زيارة الفنان ياسر جلال للطفل زياد في دار السلام، وهي لفتة إنسانية تستحق التقدير لما تحمله من دفء وبساطة.
لم ينتظر ياسر جلال أن يأتي إليه الطفل الذي يتمنى لقاءه، بل ذهب بنفسه إلى منزله، حيث الحياة اليومية بتفاصيلها المعتادة، وحيث استقبله زياد وأسرته بفرحة صادقة. جلس الفنان إلى جوار الطفل، وشاركه الفطير المشلتت والعسل، في مشهد مصري أصيل لم يحتج إلى مظاهر الاحتفاء كي يترك أثره. كانت المائدة بسيطة، لكن اللحظة بالنسبة إلى زياد لم تكن عادية، فقد أصبح الشخص الذي اعتاد رؤيته عبر الشاشة ضيفًا في بيته.
زياد طفل يعمل في بيع البلاستيك، وله عالمه الخاص وأحلامه التي لا ينبغي أن تقلل ظروف الحياة من قيمتها. لم تكن أمنيته معقدة، وإنما أراد أن يلتقي فنانًا يحبه. وقد استجاب ياسر جلال لهذه الرغبة بالفعل، مانحًا الطفل ذكرى شخصية ستظل مرتبطة بمرحلة من عمره، حين عرف أن أمنية كان يتخيلها يمكن أن تتحقق على أرض الواقع.
ما يلفت الانتباه في هذه الزيارة ليس شهرة صاحبها وحدها، وإنما اختياره أن يقترب من الطفل في بيئته وبين أسرته. فثمة فرق بين أن يعبّر الإنسان عن تعاطفه بكلمات يكتبها، وأن يترجم مشاعره إلى تصرف يراه الآخر ويلمس أثره. وقد اختار ياسر جلال الطريق الثاني، فكان حضوره أبلغ من أي حديث عن المحبة والتواضع.
وللطفل نصيبه الجميل من الحكاية أيضًا، فقد أهدى الفنان طبقًا من الكريستال، في بادرة تحمل عفوية الصغار وصدق مشاعرهم. لم تكن قيمة الهدية في ثمنها، وإنما في رغبة زياد في أن يعبّر عن امتنانه لضيوفه. وربما لا يدرك الطفل أن هذه الهدية البسيطة تختصر معنى إنسانيًا بالغ الجمال؛ فالإنسان حين يشعر بالمحبة، يبحث بطريقته عن وسيلة يرد بها بعض ما ناله من سعادة.
مثل هذه المواقف تمنحنا فرصة للتأمل في معنى الشهرة ومسؤولية صاحبها تجاه من يحبونه. فالفنان يعيش في وجدان جمهوره من خلال أعماله، لكن بعض المواقف تمنحه حضورًا مختلفًا، أكثر قربًا من الناس وأبعد عن حدود الشاشة. وحين يلتقي معجبًا صغيرًا في بيته، فإنه يتيح له أن يرى وجهًا آخر من العلاقة التي تجمع الفنان بجمهوره، علاقة قوامها التقدير المتبادل والاهتمام الإنساني.
ولا ينبغي أن نحمّل الواقعة أكثر مما تحتمل، أو أن نحولها إلى أسطورة، فالجمال الحقيقي فيها أنها تصرف بسيط يمكن فهمه دون مبالغة. غير أن بساطة الفعل لا تنتقص من قيمته، بل ربما تزيده صدقًا؛ لأن بعض المواقف لا تحتاج إلى تفسير طويل، وإنما يكفي أن نرى أثرها فيمن تلقاها.
والأطفال على وجه الخصوص يستحقون أن نجد وقتًا للاستماع إليهم، وأن نتعامل مع رغباتهم باحترام، حتى حين تبدو لنا صغيرة. فالطفل الذي يجد من يأخذ أمنيته بجدية يتعلم أن مشاعره مهمة، وأن التعبير عما يتمناه ليس أمرًا يدعو إلى الخجل. وهذه رسالة تتجاوز حدود زيارة واحدة، لأنها تذكّرنا بأهمية أن يجد الصغار حولهم من يشجعهم ويمنحهم الثقة في أنفسهم.
تحية إلى ياسر جلال على هذه المبادرة، وإلى زياد الذي استقبل ضيفه بكرم يليق بأصالة البيوت المصرية. لقد جمعتهما مائدة متواضعة، لكن ما منح اللقاء قيمته هو ما حمله من مشاعر صادقة، بعيدًا عن التكلف والاستعراض.
سيكبر زياد، وتتغير تفاصيل حياته، وربما يصبح لهذه الزيارة مكان مختلف في ذاكرته مع مرور السنوات. لكنه سيظل قادرًا على أن يحكي أنه تمنى لقاء فنان يحبه، فجاءه الفنان إلى بيته وجلس معه. وفي حكاية كهذه ما يكفي ليدرك المرء أن بعض اللحظات لا تُقاس بطولها، بل بما تتركه في النفس من أثر.
شكرًا ياسر جلال، لأنك منحت طفلًا فرحة تخصه وحده، ولأنك ذكّرتنا بالفعل، لا بالشعارات، بأن أجمل ما يملكه الإنسان هو قدرته على إسعاد غيره.
google-playkhamsatmostaqltradent