recent
أخبار ساخنة

رحلة مصر للطيران 648.. 24 ساعة من الرعب انتهت بمأساة لا تُنسى



في مساء 23 نوفمبر 1985، كانت طائرة تابعة لشركة مصر للطيران تستعد لمغادرة أثينا متجهة إلى القاهرة. كانت الرحلة تحمل الرقم 648، وكانت الطائرة من طراز بوينغ 737-200، وعلى متنها طاقم مصري من الطيارين وأفراد الضيافة والأمن.

لم يكن أحد يعلم أن هذه الرحلة ستتحول خلال دقائق إلى واحدة من أكثر عمليات اختطاف الطائرات دموية وإثارة للجدل في تاريخ الطيران.

كان طاقم الرحلة يضم قائد الطائرة هاني جلال، ومساعده عماد بهي الدين، ورئيسة طاقم الضيافة شادية سلامة، إلى جانب المضيفات حنان الحبروك، أشجان عطية، وهناء الدربي، بالإضافة إلى أربعة من أفراد الأمن، هم مدحت مصطفى، نبيل فاروق، حسن الششتاوي وأشرف إبراهيم.

وكان وجود أفراد الأمن على الرحلات الجوية في ذلك الوقت جزءًا من إجراءات الحماية التي كانت تتبعها شركات الطيران المصرية، إذ كان فريق الأمن يضم ضباطًا من الشرطة إلى جانب أفراد من أمن مصر للطيران.

بعد وصول الطائرة إلى أثينا، غادر ركاب الرحلة السابقة، وجرت عملية تنظيف وتجهيز الطائرة لاستقبال المسافرين الجدد. وصعد إلى متنها 97 راكبًا من جنسيات متعددة، بينهم مصريون وفلسطينيون وفلبينيون ويونانيون وأمريكيون، إضافة إلى ركاب من دول أخرى.

كانت الساعة تقترب من 9:22 مساءً عندما أمسكت شادية سلامة بالميكروفون وطلبت من الركاب ربط أحزمة الأمان استعدادًا لاستكمال الرحلة.

لكن بعد دقائق قليلة، بدأ الكابوس.

توجه أحد الركاب نحو مقدمة الطائرة، فظنت المضيفة أشجان عطية أنه يريد استخدام دورة المياه، وأرشدته إليها، خصوصًا أن دخول الركاب إلى قمرة القيادة كان ممنوعًا وفق قواعد الطيران.

غير أن الرجل خرج من دورة المياه وهو يحمل سلاحًا، وفي الوقت نفسه ظهر شخص آخر من مؤخرة الطائرة. أشهر الرجلان أسلحتهما وهددا المضيفات والركاب بتفجير الطائرة إذا حاول أحد مقاومتهم.

ثم انضم إليهما شخص ثالث، وأعلن الخاطفون أنهم ينتمون إلى جماعة أطلقوا عليها اسم «ثوار مصر»، وطالبوا بتجميع الركاب في مؤخرة الطائرة، مع فصل الركاب بحسب جنسياتهم.

في تلك اللحظات العصيبة، حاول ضابط الأمن مدحت مصطفى التصدي للخاطفين، فأطلق النار على أحدهم وأصابه إصابة قاتلة. لكن الخاطفين ردوا بإطلاق النار عليه، فسقط شهيدًا، كما أصيبت المضيفة هناء الدربي خلال تبادل إطلاق النار.

وأمام هذا المشهد، تقدمت شادية سلامة وحاولت تهدئة الخاطفين، وأبلغتهم بأنها المسؤولة عن طاقم الضيافة، وأنها ستتعاون معهم مقابل عدم إيذاء الركاب أو زملائها.

كانت الطائرة آنذاك تحلق فوق المجال الجوي اليوناني بالقرب من جزيرة ميلوس.

اقتحم أحد الخاطفين قمرة القيادة وأمر الطيار بالتوجه إلى طرابلس أو بنغازي. لكن قائد الطائرة هاني جلال ومساعده عماد بهي الدين حاولا التصرف بحذر شديد.

وبطريقة غير مباشرة، تمكن الطاقم من إرسال إشارة طوارئ، ثم بدأوا في تغيير مسار الطائرة باتجاه مالطا.

وعندما أدرك الخاطفون أن الطائرة لا تتجه إلى الوجهة التي طلبوها، أطلقوا النار داخل قمرة القيادة، فأصابت الرصاصات بعض أجهزة الطائرة، بما في ذلك مؤشرات مرتبطة بالزيت والأكسجين وأجزاء من أنظمة التحكم.

ونتيجة لذلك، اضطر الطاقم إلى خفض ارتفاع الطائرة بصورة كبيرة، بعدما أصبحت مواصلة التحليق على الارتفاع المعتاد أكثر خطورة.

وفي النهاية، طلب الطيار الهبوط اضطراريًا في مطار لوقا بمالطا.

كانت السلطات المالطية في البداية مترددة في السماح للطائرة بالهبوط، وأُطفئت أضواء المطار في محاولة لمنعها من الهبوط. لكن قائد الطائرة اتخذ قرارًا حاسمًا، وتمكن من الهبوط بالطائرة في حوالي 11:16 مساءً.

وهنا بدأت مرحلة جديدة من الأزمة.

بعد توقف الطائرة، تولى أحد الخاطفين، الذي قدم نفسه باسم «نبيل»، الاتصال بالسلطات المالطية، وطالب بإبعاد الطائرة عن مبنى المطار وتزويدها بالوقود، مهددًا بقتل أحد الركاب بصورة دورية إذا لم تُنفذ مطالبه.

وفي محاولة لإثبات جديتهم، أُخرجت جثة ضابط الأمن مدحت مصطفى من الطائرة.

لكن شادية سلامة لم تتوقف عن محاولة إنقاذ من تستطيع إنقاذه. فقد تحدثت مع الخاطفين وطالبتهم بإظهار حسن النية والإفراج عن بعض النساء والمصابين.

وبالفعل، أُفرج عن مجموعة من النساء، من بينهن فلسطينيات ومصريات، كما خرجت المضيفتان هناء الدربي وأشجان عطية لتلقي العلاج في مستشفى القديس لوقا بمالطا، بعد إصابتهما خلال عملية الاختطاف.

أما شادية سلامة والمضيفة المتدربة حنان الحبروك، فبقيتا داخل الطائرة.

ومع مرور ساعات الليل، ازداد الوضع سوءًا. فقد أقدم الخاطفون على قتل عدد آخر من الركاب، وأصبحت حياة الموجودين على متن الطائرة معلقة بين قرارات الخاطفين ومحاولات السلطات للتفاوض.

وفي واحدة من أكثر لحظات القصة تأثيرًا، طلب الخاطفون إرسال رسالة إلى السلطات المالطية، واختاروا شادية سلامة لتوصيلها.

خرجت شادية من الطائرة وهي تعلم أنها قد لا تعود إليها.

وحذّرها الخاطفون من أنها إذا لم تعد خلال دقائق، فسوف يقتلون بقية الركاب.

وعندما وصلت إلى السلطات، طُلب منها ألا تعود إلى الطائرة، لكن شادية أصرت على الرجوع إلى زملائها والركاب المحتجزين.

وتُنسب إليها عبارة تختصر شجاعتها في تلك اللحظات:

«مكاني هناك وسط زملائي، يصير لي ما يصير لهم.»

ثم عادت بالفعل إلى الطائرة قبل انتهاء المهلة التي حددها الخاطفون.

كانت الساعات تمر ببطء، بينما كانت المفاوضات مستمرة، إلى أن وصلت الأزمة إلى لحظتها الأخيرة.

وبعد نحو 24 ساعة من بدء عملية الاختطاف، وفي مساء الأحد 24 نوفمبر 1985، بدأت القوات المصرية الخاصة تنفيذ عملية اقتحام الطائرة.

شاركت في العملية عناصر من الوحدة 777، وهي وحدة مصرية متخصصة في مكافحة الإرهاب والتعامل مع حالات اختطاف الطائرات والرهائن.

تم تقسيم القوة إلى مجموعات، لكل منها مهمة محددة، وبدأ الاقتحام في محاولة لإنهاء المأساة وتحرير الركاب.

لكن العملية تحولت خلال ثوانٍ إلى اشتباك عنيف داخل الطائرة. قُتل عدد من الخاطفين، بينما استمر آخرون في إطلاق النار وإلقاء القنابل داخل الطائرة وحولها.

وفي خضم الفوضى، سقط عدد كبير من الضحايا، بعضهم نتيجة إطلاق النار، وبعضهم نتيجة الانفجارات والاشتباكات، كما وقع خطأ مأساوي عندما تعرض أحد الركاب المصريين للقتل بعدما ظنت القوات، وسط الفوضى، أنه أحد الخاطفين.

وانتهت العملية بمقتل معظم الخاطفين، لكن الثمن كان كارثيًا.

فقد قُتل عشرات الأشخاص من ركاب الطائرة وطاقمها، وأصبحت الرحلة 648 واحدة من أكثر عمليات اختطاف الطائرات دموية في ذلك العصر.

وكانت من بين الضحايا شادية سلامة، رئيسة طاقم الضيافة، التي ظلت حتى اللحظات الأخيرة تحاول حماية زملائها والركاب. وكانت قد أصيبت خلال الأحداث، ثم فارقت الحياة متأثرة بإصابتها في 25 نوفمبر 1985.

ولم تتوقف مأساة الرحلة عند ضحايا الطائرة وحدهم؛ فقد امتدت آثارها إلى أسر الضحايا الذين وجدوا أنفسهم أمام خسارة مفاجئة لا يمكن تصورها.

ومن بين القصص الإنسانية المرتبطة بالمأساة قصة شاب مصري كان قد تزوج حديثًا وسافر لقضاء شهر العسل في اليونان، وهو نجل الفنان إبراهيم الشامي.
وكان والده في ذلك الوقت يعمل خارج مصر، ويشارك في تصوير مسلسل «غوايش» في تونس. وتزامنت أحداث المسلسل، بصورة مؤلمة، مع قصة الشخصية التي يؤديها الشامي، والتي تضمنت وفاة ابنها يوم زفافه، الأمر الذي جعل الجمهور يربط بين أحداث العمل الدرامي والمأساة الحقيقية التي عاشتها أسرة الفنان.

كما ارتبطت قصة الابن بحادثة مؤلمة أخرى؛ إذ نُشرت صورته في الصحافة المصرية بعد مقتله خلال عملية الاقتحام، مع وصف خاطئ له باعتباره أحد الإرهابيين.

وبحسب الروايات المتداولة عن الأسرة، رفض الفنان إبراهيم الشامي بعض مظاهر العزاء التقليدية، وفضّل أن يصطحب أسرته لأداء العمرة، وظل فقدان ابنه حاضرًا في حياته حتى وفاته عام 1990.

أما شادية سلامة، فقد بقي اسمها مرتبطًا بهذه الرحلة المأساوية. وتكريمًا لها، أُطلق اسمها على مدرسة في السويس، لتظل قصتها شاهدًا على امرأة وجدت نفسها في واحدة من أخطر الأزمات التي يمكن أن يواجهها أي إنسان، ومع ذلك اختارت البقاء إلى جانب زملائها والركاب بدلًا من البحث عن نجاتها الشخصية.

رحلة 648 لم تكن مجرد حادثة اختطاف طائرة؛ بل كانت مأساة إنسانية جمعت بين الخوف والشجاعة، وبين أخطاء قاتلة وقرارات مصيرية، وتركت وراءها عشرات الضحايا وقصصًا لا تزال تُروى حتى اليوم.

ويبقى اسم شادية سلامة واحدًا من أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذه المأساة، بعدما اختارت أن تعود إلى الطائرة وهي تعرف أن الخطر ينتظرها، لتظل قصتها رمزًا للتضحية والمسؤولية المهنية والإنسانية.
google-playkhamsatmostaqltradent